الذهبي

419

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ثمّ قال : أعرضْ أصحابك حتّى أميّز أهل الجنة من أهل النار ، وعمل في ذلك حيلةً ، قتل فيها من خالف أمر ابن تُومَرْت ، ثمّ لم يزل إلى أن جهّز بعد فصولٍ طويلة عشرة آلاف مقاتل ، وأقام هو في الجبل ، فنزلوا لحصار مَرّاكُش ، فأقاموا عليها شهرًا ، ثمّ كُسِروا كسرة شنيعة ، وهرب من سَلِم من القتْل ، وَقُتِلَ الوَنْشَرُيسيّ المذكور . وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكُشيّ : ثمّ جعلوا يشنون الغارات على قرى مَرّاكُش ، ويقطعون عنها الْجَلَب ، ويقتلون ويَسْبون الحريم ، وكثر الداخلون في دعوتهم والمنحاشون إليهم ، وابن تُومَرْت في ذلك كلّه يُكثِر الزُّهد والتَّقَلُّل والعبادة ، أخبرني من رآه يضرب على الخمر بالأكمام والنعال وعسب النَّخْلِ كفعل الصّحابة ، وأخبرني من شهده وقد أُتيَ برجلٍ سَكْران فحدّه ، فقال يوسف بن سليمان ، أحد الأعيان : لو شَدَدْنا عليه حتى يخبرنا من أين شرِبَها ، فأعرض عنه ، فأعاد قوله ، فقال : أرأيت لو قال شربتها في دار يوسف بن سليمان ما كنّا نصنع ؟ فاستحيى وسكت ، ثمّ ظهر أنّ عبيد يوسف بن سليمان سقَوْه ، فزادهم هذا ونحوه فتنةً بابن تُومَرْت . قال اليَسَع بن حزْم : ألّف ابن تومرت كتاب " القواعد " ، مما فيه : وأن التّمادي على ذرةٍ من الباطل كالتمادي على الباطل كله ، وألّف لهم كتاب " الإمامة " ، يقول فيه : حتّى جاء الله بالمهديّ ، يعني نفسه ، وطاعته صافية نقيَّة ، لَا ضدّ له ولا مثل له ، ولا ندّ في الورى ، وإنّ به قامت السماوات والأرض . قال اليَسَع : هذا نصّ قوله في الإمامة ، وهذا نصّ تلقّيته من قراءة عبد المؤمن بن عليّ ، دوّن لهم هذا بالعربيّ وبالبربري ، فلما قرؤوا هذين الكتابين زادهم ذلك شدَّةً في مذهبهم من تكفير النّاس بالذّنوب ، وتكفيرهم بالتّأخُّر عن طاعة المهدي الذي قامت به السماوات والأرض . هذا نص ما قاله اليَسَع . قال : وأمرهم بجمع العساكر ، فخرجوا إلى ناحية مَرّاكُش ، فوجدوا جيشًا للمرابطين ، فالتقوا ، فانهزم المرابطون هزيمة مات فيها أكثر من شهِدَها ، وصَبَر فيها الموحِّدون ، فلّما كان في سنة إحدى وعشرين تألفوا في أربعين ألف راجل